معاينة

الأسد أبرز الرَّابِحين مِن “الاحتلال التُّركي” لعِفرين

عبد الباري عطوان

سَيطَرِة القُوّات التركيّة على مدينة عِفرين السوريّة بعد انسحاب قُوّات الحِماية الشعبيّة الكرديّة المُدافِعة عنها، وفرار عشرات الآلاف من سُكَّانِها طَلبًا للسَّلامة، ستُشجِّع هذهِ القُوّات (التركيّة) على المُضِي قُدمًا في خُطط تَمَدُّدِها لتَشمل مُدن أُخرى على طُول “الحِزام الإرهابي” الكُردي، على حَد وصف الرئيس رجب طيب أردوغان في كلمةٍ ألقاها في مُؤتمر للسِّلك القَضائيّ في أنقرة.

الرئيس أردوغان الذي احتفل “بالنَّصر” الذي حقّقته قُوّاته في مدينة عِفرين، يعتقد أن الفُرصة باتَت سانِحة للقَضاء على القُوّات الكُرديّة على طُول الحُدود السوريّة الشماليّة مع بِلادِه، ممّا يَعني أن مُدنًا أُخرى مِثل منبج وعين العرب “كوباني” وتل أبيض والقامِشلي قد تُواجِه مصير عِفرين إذا لم تُواجِه القُوّات التركيّة مُقاومةً تَمنعها من تَحقيق أهدافها في السيطرة عليها.

وزارة الخارجّية السوريٍة أصدرت بيانًا نَدَّدَت فيه بـ”الاحتلال” التُّركي لعِفرين، وطالبت القُوّات الغازِية بالانسحاب فورًا في رسالةِ احتجاجٍ بَعثت بها إلى الأمين العام للأُمم المتحدة، الأمر الذي أثار العَديد من علامات الاستفهام حول حَقيقة المَوقِف الرَّسمي السوري من هذا الاحتلال التركي.

كان لافِتًا أن بيان الخارجيّة السوريّة لم يتضمّن أي مَوقِف آخر غير الإدانة والمُطالَبة بالانسحاب، أي خَلا من أيِّ تَهديدٍ بالتصدِّي للقُوّات التركيّة المُحتلّة عَسكريًّا، وتَقدُّم الجيش السوري لتَحرير المدينة، ممّا يُعزِّز النظرية التي تقول بوجود تفاهُمات “سِريّة” سوريّة تركيّة بِرعاية روسيّة في هذا الصَّدد، مُضافًا إلى ذلك أن القِيادة السوريّة لا تُريد تشتيت قُوّات جَيشها وإشغاله في معارك جديدة، تحول دون تركيزه على إكمال مُهمّتها في استعادة الغُوطة الشرقيّة التي باتَت تُسيطِر على حواليّ 85 بالمِئة منها حتى كتابة هذهِ السطور، وشاهدنا الرئيس السوري بشار الأسد يَتجوّل فيها بِسيّارته ويُهنِّئ جُنودَه بالانتصار.

هُناك نظريّة تقول أن القِيادة السوريّة قد تكون المُستفيد الأكبر من عمليّة “غُصن الزيتون” التركيّة أيًّا كانت نتائجها، فمَدينة عِفرين لم تُكَن في الأساس خاضِعة للسيادة السوريّة، وتحت سَيطرة وحدات الحِماية الشعبيّة الكُرديّة التي أقامت فيها إدارةً ذاتيّةً تَرفع العلم الكُردي فوق مَقر بلديّتها، وتُدار من قِبَل مجلس رئاسي خاص، وتَمنع دُخول العَرب السوريين إليها إلا بتَصريحٍ خاص.

النُّقطة الأُخرى أن تَقدُّم القُوّات التركيّة في “الحِزام الكُردي” شمال سورية للقَضاء على قُوّات سورية الديمقراطيّة قد يَصُب في مَصلحة السُّلطات المركزيّة في دِمشق، ليس لأن هذا الحِزام خارِج سيطرتها، وإنّما أيضًا لأن هذا التقدُّم العَسكري التركي قد يُواجِه مُقاومة شَرِسة أوّلاً، وصِدام أمريكي تُركي ثانِيًا، وهذا احتمال من الصَّعب استبعادُه على أيِّ حال.

الرئيس أردوغان يعيش حالةً من الهَياج والتعطُّش للانتقام هذهِ الأيّام، ويَضرِب يمينًا ويسارًا، ولن يتوقّف عن الضّرب حتى يقضي على الميليشيات الكُرديّة التي أرسلت لها الولايات المتحدة أكثر من 5000 شاحِنة مُحمّلة بأحدث الأسلحة وأكثرها فَتكًا، وذهب بعضها إلى حزب العُمّال الكُردستاني، وباتت تُشكِّل خَطرًا على استقرار تُركيا ووحدتيها التُّرابيّة والدِّيمغرافيّة.

وما يُؤكِّد هذهِ الحالة تَهديده اليوم (الإثنين) بغزو مدينة سنجار المُحاذِية لإقليم كُردستان العِراق لتَطهيرها من قوّات الحِزب الكُردستاني الانفصالي، الذي يقول أنّه تغلغل في المدينة ذات الأغلبيّة الأيزيديّة، واتّخذها قاعِدة لشَن هجمات ضِد القُوّات التركيّة في الشَّمال.

هزيمة الأكراد في شمال سورية على يَد الأتراك قد يَراها البعض مَكسبًا للحُكومة السوريّة، لأن هؤلاء يريدون الانفصال عن الدَّولة السوريّة وإقامة دولتهم المُستقلّة بدَعمٍ أمريكي، أمّا فَشل المُخطّط التركي في القضاء عليهم وتَطهير الشَّمال السوري مِنهم، ومنع إقامة دولتهم، قد يَخدِم هذه الحُكومة أيضًا لأن كَبح جِماح الهَياج التركي وهَزيمته، أو استنزافه، يَصُب في مَصلحتها على المَدى القصير على الأقل، لأن فتح جبهة الحَرب مع الأكراد يُعتَبر آخر أولويّات الجيش العربي السوري في هذه المَرحلة.

نَظريّة الدَّهاء السوري تَقول أنّهم، أي المُتمرِّدين الأكراد والأتراك، أعداء يَتقاتَلون فيما بينهم، وكِلاهُما يُشكِّلان خَطرًا على الدَّولة المَركزيّة ووِحدة التُّراب السوري، فليستنزفا بَعضَهما البعض عَسكريًّا، و”فُخّار يِكسِّر بَعضُه”، وبعد نِهاية هذهِ المُواجهات، والتعرُّف على النَّتائِج التي تتمخّض عنها لكُل حادِث حَديث.

ربّما تكون تُركيا حقَّقَت انتصارًا بالسَّيطرة على عِفرين، ولكنّه انتصار ربّما يكون مُكلِفًا جِدًّا سِياسيًّا وعَسكريًّا، لأنّها سَتكون مُطالَبة بتوفير الأمن والاستقرار للمَدينة أوّلاً، والحَيلولة دون عَودة قُوّات الحِماية الشعبيّة إليها ثانيًا، ومُواجهة حَرب عِصابات في أطرافها، وربّما في عُمقِها ثالثًا، واتّخاذها كقاعِدة انطلاق نَحو مدينة مِنبج وتل أبيض وعين العَرب والقامِشلي رابِعًا، وكيفيّة تَوفير كُل أسباب العَيش الكَريم من مأكَل ومَسكن وأعمال للعائِدين إليها وإدارَة شُؤونِهم خامِسًا.

الجيش السوري الحر لم يَستفِد كثيرًا من هذا “النَّصر” أيضًا، وهُناك من يَرى أنّه كانَ من أبرز المُتضرِّرين، فقد باتَ يُصنَّف حاليًّا بأنّه ذِراع عَسكري لتركيا يُقاتِل تحت رايَتها ويَحتل أراضي سوريّة لمَصلحتها، ويُساهِم في تَهجير أهلها، وفقد الكثير من هَيبته وسُمعته، عندما شُوهِدت بعض عناصره وهي تَنهب البُيوت والمَحلات التجاريّة، وتَضع محتوياتها في حافِلات تَنقُلها إلى مدينة غازي عنتاب التركيّة المُجاوِرة، وأدانت قِيادات في المُعارضة السوريّة مِثل محمد علوش قائِد جيش الإسلام، أبرز الفصائِل المُسلَّحة في الغُوطة، والسيد خالد خوجة الرئيس السَّابِق للائتلاف السوري الحر أعمال النَّهب هذه، في بياناتٍ قَويّة.

مدينة عِفرين سَتَخْلِط أوراق الأزمة السوريّة وربّما تزيدها تَعقيدًا، ولا نُبالِغ إذا قُلنا أن النِّظام السوري أقل المُتضرِّرين، إن لم يَكُن أكثر المُستفيدين.. والله أعلم.

Exit mobile version